ابن عطاء الله السكندري
القسم الثاني 22
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المؤمنين ولا يأتون بها إلا للّه تعالى ، ثم يقتلون أنفسهم حبّا له تعالى . قلت : الجواب عن الأول أن المعنى يحبونهم كحب اللّه في الطاعة لها والتعظيم ، فالاستواء في هذا القول من المحبة لا ينافي ما ذكرتموه . وعن الثاني أن المؤمنين لا يضرعون إلا إليه بخلاف المشركين فإنهم يرجعون عند الحاجة إلى الأنداد . وأيضا من أحبّ غيره رضي بقضائه فلا يتفرق في ملكه ، فهؤلاء الجهّال قتلوا أنفسهم بغير إذنه . وأما المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه كما في الجهاد ، وأيضا إن المؤمنين يوحدون ربهم والكفار يعبدون مع الصنم أصناما فتنقص محبة الواحد . أما الإله الواحد فينضم محبة الجميع إليه ، انتهى ما قال الإمام الرازي . وفي شرح القصيدة الفارضية المحبّة ميل الجميل إلى الجمال بدلالة المشاهدة كما ورد ( إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال ) ، وذلك لأن كل شيء ينجذب إلى أصله وجنسه وينتزع إلى أنسه ووصله . فانجذاب المحب إلى جمال المحبوب ليس إلا لجمال فيه . والجمال الحقيقي صفة أزلية للّه تعالى شاهدة في ذاته أوّلا مشاهدة علمية ، فأراد أن يراه في صنعه مشاهدة عينية ، فخلق العالم كمرآة شاهد فيه عين جماله عيانا . وإليه أشار صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق » الحديث . فالجميل الحقيقي هو اللّه سبحانه وكلّ جميل في الكون مظهر جماله . ولما خلق اللّه الإنسان على صورته جميلا بصيرا فكلما شاهد جميلا انجذب أحداق بصيرته إليه وامتدّ نحوه أعناق سريرته ، وهذا الانجذاب هو الحبّ الأخصّ أن ظهر من مشاهدة الروح جمال الذات في عالم الجبروت ، والخاص إن ظهر من مطالعة القلب جمال الصفات في عالم الملكوت ، والعام إن ظهر من ملاحظة النفس جمال الأفعال في عالم الغيب ، والأعمّ إن ظهر من معاينة الحسن جمال الأفعال في عالم الشهادة . فالحبّ بظهوره من مشاهدة الجمال يختصّ بالجميل البصير . وما قيل إن الحب ثابت في كل شيء لانجذابه إلى جنسه فعلى خلاف المشهور . والعشق أخص منه لأنه محبة مفرطة ، ولهذا لا يطلق على اللّه تعالى لانتفاء الإفراط عن صفاته . والحبّ الإلهي وراء حبّ العقلاء من الإنسان والجنّ والملك ، فإنه صفة قديمة قائمة بذاته تعالى ، وصفته عين الذات فهي قائمة بنفسها ، وحب العقلاء قائم بهم فيحبونه بحبه إياهم . وتقديم يحبهم على يحبونه إشارة إلى هذا وإن لم يفد الواو الترتيب والعليّة . وجمال الذات مطلق موجود